عبد الوهاب الشعراني
309
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
بجهدها ، وأخلص في معاملته وقرأ معاني رموز القوم ونظر في أخبارهم وعرف مقصودهم في سائر حركاتهم وسكناتهم وأسفارهم وخلواتهم ، فإن كنت صادقا فلا تكن مجانا ولا لعابا ولا صبي العقل والدرج ، إنما الأمر توبة العبد عن أن يلحظ الأكوان بعيني قلبه ، أو يراعي غير مولاه ، فإذا صح للفقير هذا الأمر فهناك يصلح للرقي في مقامات الرجال . وكان رضي اللّه عنه يقول : قوت المبتدي الجوع ومطره الدموع ووطره الرجوع يصوم حتى يرق ويلين وتدخل الرقة قلبه وتفتح مسامع لبه ويزول الوقر من سمعه فيسمع بأذن وقلب كلام القرآن ومواعظه ، وأما من أكل طعام ونام ولغا في الكلام وترخص وقال ليس على فاعل ذلك ملام ، فإنه لا يجيء منه شيء والسلام . وكان رضي اللّه عنه يقول : ما بنيت طريقتنا هذه إلا على التيار والنار ، والبحر الهدار ، والجوع والاصفرار ، ما هي بمشدقتك ولا بالفشار دعني فما وجدت من أولادي واحدا اقتفى آثار الرجال وصلح أن يكون محلا للأسرار ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم من هذا الزمان الغدار . وكان رضي اللّه عنه يقول : الفقير كالسلطان مهابة وكالعبد الذليل تواضعا ومهانة ، قلت : إنما كان كالسلطان لعفته وترك إسقاطه نفسه وكثرة صفحه وعفوه وكرم نفسه وعدم منته وغير ذلك بل هو أحق بالهيبة من السلطان لأنه جليس الحق وربما لا يكون السلطان يصلح لمجالسة الحق لكونه أخذ المرتبة بالسيف أو يكون مبتدعا أو غير ذلك واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يقول : الشيخ حكيم المريد فإذا لم يعمل المريض بقول الحكيم لا يحصل له شفاء . وكان يقول : مذ صرفنا هممنا إليه أغنانا عما سواه إنا لا نعرف قط إبليس اللعين . وكان رضي اللّه عنه يقول : خلوة الفقير سجادته وجلوته سره وسريرته . وكان يقول : يجب على تالي القرآن أن يطهر فمه للتلاوة من اللغط والنطق الفاحش ولا يأكل إلا حلالا صرفا قوت الوقت من غير سرف ، فإن أكل حراما أساء الأدب ويعطر ثيابه وبدنه .